الشيخ محمد رشيد رضا
340
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الصالحات فهو جدير بالعفو وان كان في اجرامه السابق مقصرا في النظر والاستدلال . واما المؤمن الموقن بصحة النبوة وتحريم اللّه للقتل وجعله قاتل النفس البريئة كقاتل الناس جميعا فلا عذر له بل لا يعقل أن يرجح هواه على إيمانه مع أنه لم يطرأ على إيمانه من الشك الاضطراري ما يكون له شبه عذر . اما إذا طرأ عليه ذلك فان حكمه حكم القاتل الكافر . وذلك ان الكافر الذي بلغته الدعوة ولم يؤمن لم يعرض عن الايمان الا لأن الدليل لم يظهر له على صحة النبوة وهو يعاقب على التقصير في النظر وتصحيح الاستدلال حتى يخلد في النار . وإذا أحسن النظر وتبين له الهدى فآمن واهتدى يغفر له ما قد سلف في زمن الكفر لأنه كان عملا مرتبا على الكفر ، والكفر نفسه كان خطأ منه فأشبه قتله قتل الخطأ . ومثله من أخطأ في الدليل بعد التسليم به لشبهة عرضت له فيه فمعصيته لم تكن تهاونا بأمر اللّه عز وجل ولا استهزاء بآياته ولا دليلا على إيثاره لهواه على ما عند اللّه اما القاتل المؤمن فأمره على غير ذلك فإنه مؤمن باللّه وبرسوله وبما جاء به إيمان يقين وإذعان لما جاء به الدين من تعظيم أمر الدماء ، وهو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير بحكم الايمان فكيف يعمد بعد هذا إلى الاستهانة بأمر اللّه وحكمه ، وحل ما عقده وتوهين امر دينه بهدم أركان قوته وتجزئة الناس على مثل ذلك حتى يهن المسلمون ويضعفوا ويكون بأسهم بينهم شديدا . لا جرم ان عقابه يكون شديدا بحيث لا تقبل توبته . ومن نظر إلى انحلال امر الاسلام والمسلمين بعد ما أقدم بعضهم على سفك دم بعض من زمن طويل يظهر له وجه هذا وان القاتل لا يعذر بهذه الجراءة على هذه الجريمة وهو لم تعرض شبهة في أمر اللّه ، إذ لا رائحة للعذر في عمله بل هو مرجح للغضب وحب الانتقام وشهوة النفس على أمر اللّه تعالى ، ومن فضل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر اللّه وعلى كتابه ودينه ومصلحة المؤمنين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة ويدل على هذا قوله تعالى ( 3 : 134 وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وتأمل قوله « يَعْلَمُونَ » ولو سمح اللّه ان يفضل أحد شهوته أو حميته وغضبه على اللّه ورسوله وكتابه ودينه والمؤمنين ، ووعده بالمغفرة ، لتجرأ الناس على كل شيء ولم يكن للدين